حنة الزهراء
09-14-2009, 09:28 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته والصلاة والسلام علي سيدنا محمد وآله الطاهرين وعجل فرجهم
http://www.yesmeenah.com/smiles/smiles/38/00%20(1).gif (http://www.yesmeenah.com)
لقدأثمر منبر الإمام الخوئي الراحل (قدس سره) خلال أكثر من نصف قرن ثماراً عظيمة جليلة، هي الأزكی والأفضل عطاءً علی صعيد الفكر الإسلامي، وفي مختلف العلوم والقضايا والمواقف الإسلامية المهمة، حيث تخرّج من بين يديه مئات الفقهاء والمجتهدين والفضلاء العظام الذين أُخذوا علی عواتقهم مواصلة مسيرته الفكرية ودربه الحافل بالبذل والعطاء والتضحية لخدمة الإسلام والعِلم والمجتمع، معظمهم اليوم أساتذة الحوزات العلمية وبالخصوص في النجف الأشرف وقم المقدسة، ومنهم في مستوی الكفاءة والجدارة العلمية والاجتماعية التي تؤهلهم للقيام بمسؤولية التربية والتعليم، ومسؤولية المرجعية والقيادة، ورعاية الأُمة في يومنا الحاضر.
ومن أهم وأبرز أولئك العباقرة، سيدنا الأُستاذ آية الله العظمی السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظله)، فهو من أبرز تلامذة الإمام الخوئي الراحل (قدس سره الشريف)، نبوغاً وعلماً وفضلاً وأهلية، وسيكون حديثنا في السطور القادمة حول شخصية هذا العَلَم الكبير بشيء من التفصيل.
ولادته ونشأته
ولد سماحته في التاسع من شهر ربيع الاول عام (1349 هـ . ق) في المشهد الرضوي الشريف، وسماه والده علي تيمناً باسم جده الآتي ذكره .
والده هو المقدس المرحوم السيد محمد باقر ، وأما جده الادنی فهو العلم الجليل (السيد علي) الذي ترجم له العلامة الشيخ أغا بزرك الطهراني في طبقات أعلام الشيعة (القسم الرابع ص 1432) وذكر انه كان في النجف الاشرف من تلامذة الحجة المؤسس المولی علي النهاوندي وفي سامراء من تلامذة المجدد الشيرازي، ثم اختص بالحجة السيد اسماعيل الصدر، وفي حدود سنة (1308 هـ) عاد الی مشهد الرضا (عليه السلام) واستقر فيه وقد حاز مكانة سامية مع ما كان له من حظ وافر في العلم مع تقی وصلاح، ومن تلامذته المعروفين الفقيه الكبير الشيخ محمد رضا آل ياسين (قدس سره).
كانت أسرته (وهي من الاسر العلوية الحسينية) تسكن في اصفهان علی عهد السلاطين الصفويين وقد عين جده الاعلی (السيد محمد) في منصب شيخ الاسلام في سيستان في زمن السلطان حسين الصفوي فانتقل اليها وسكنها هو وذريته من بعده.
وأول من هاجر من أحفاده الی مشهد الرضا (عليه السلام) هو المرحوم (السيد علي) المار ذكره حيث استقر فيه برهة من الزمن في مدرسة المرحوم الملا محمد باقر السبزواري ومن ثم هاجر الی النجف الاشرف لاكمال دراسته.
بدأ سماحة السيد (دام ظله) وهو في الخامسة من عمره بتعلم القرآن الكريم ثم دخل مدرسة دار التعليم الديني لتعلم القراءة والكتابة ونحوها، فتخرج من هذه المدرسة وقد تعلم أثناء ذلك فن الخط من استاذه (الميرزا علي آقا)
وفي أوائل عام (1371 هـ.ق) هاجر من مدينة قم الی النجف الاشرف، فوصل كربلاء المقدسة في ذكری أربعين الامام الحسين (عليه السلام) ثم نزل النجف فسكن مدرسة البخارائي العلمية وحضر بحوث العلمين الشهيرين آية الله العظمی السيد أبو القاسم الخوئي والعلامة الشيخ حسين الحلي (قدس سرهما) في الفقه والاصول ولازمهما مدة طويلة، وحضر خلال ذلك أيضاً بحوث بعض الاعلام الآخرين منهم الامام الحكيم والسيد الشاهرودي (قدس سرهما).
نبوغه العلمي
لقد برز سماحة آية الله العظمی السيد السيستاني (دام ظله) في بحوث أساتذته بتفوق بالغ علی أقرانه وذلك في قوة الإشكال، وسرعة البديهة، وكثرة التحقيق والتتبع في الفقه والرجال، ومواصلة النشاط العلمي، وإلمامه بكثير من النظريات في مختلف الحقول العلمية الحوزوية. ومما يشهد علی ذلك شهادة خطية من الإمام الخوئي (رضوان الله تعالی عليه) وشهادة أُخری من العلامة الشيخ حسين الحلي (قدس سره)، وقد شهدا ببلوغه درجة الاجتهاد في شهادتين مؤرختين في عام (1380 هـ.ق) مغمورتين بالثناء الكبير علی فضله وعلمه، علی أن المعروف عن الإمام الخوئي (قدس سره) أنه لايشهد لأحد من تلامذته بالاجتهاد شهادة خطية، إلا لسيدنا الأُستاذ وآية الله الشيخ علي الفلسفي من مشاهير علماء مشهد المقدسة.
كما كتب له شيخ محدثي عصره العلامة الشيخ أغا بزرك الطهراني (قدس سره) شهادة مؤرخة في عام (1380 هـ) أيضاً يطري فيها علی مهارته في علمي الرجال والحديث. أي أن سيدنا الاستاذ قد حاز علی هذه المرتبة العظيمة بشهادة العظماء من العلماء وهو في الحادية والثلاثين من عمره.
وأما منهجه الفقهي فله فيه منهج خاص يتميز في تدريس الفقه وطرحه، ولهذا المنهج عدة ملامح وهي:
أ ـ المقارنة بين فقه الشيعة وفقه غيرهم من المذاهب الإسلامية الأُخری، فإن الإطلاع علی الفكر الفقهي السني المعاصر لزمان النص كالاطلاع علی موطأ مالك وخراج أبي يوسف وأمثالهم، يوضح أمامنا مقاصد الأئمة (عليهم السلام) ونظرهم حين طرح النصوص.
ب ـ الاستفادة من علم القانون الحديث في بعض المواضع الفقهية، كمراجعته للقانون العراقي والمصري والفرنسي عند بحثه في كتاب البيع والخيارات، والإحاطة بالفكر القانوني المعاصر تزود ألإنسان خبرة قانونية يستعين بها علی تحليل القواعد الفقهية وتوسعة مداركها وموارد تطبيقها.
ج ـ التجديد في الأُطروحة: إن معظم علمائنا الأعلام يتلقون بعض القواعد الفقهية بنفس الصياغة التي طرحها السابقون، ولا يزيدون في البحث فيها إلا عن صلاحية المدرك لها أو عدمه، ووجود مدرك آخر وعدمه، أما سماحة آية الله العظمی السيد السيستاني (دام ظله) فإنه يحاول الاهتمام في بعض القواعد الفقهية بتغير الصياغة، مثلاً بالنسبة لقاعدة الإلزام التي يفهمها بعض الفقهاء من الزاوية المصلحية بمعنی أن للمسلم المؤمن الاستفادة في تحقيق بعض رغباته الشخصية من بعض القوانين للمذاهب الأُخری، وإن كان مذهبه لايقرها، بينما يطرحه سماحة آية الله العظمی السيد السيستاني (دام ظله) علی أساس الاحترام، ويسميها بقاعدة الاحترام، أي احترام آراء الآخرين وقوانينهم، وانطلاقه من حرية الرأي وهي علی سياق ـ لكل قوم نكاح ـ .
معالم شخصيته
أ ـ الإنصاف واحترام الرأي: إن سماحة آية الله العظمی السيد السيستاني (دام ظله) انطلاقاً من عشقه العلم والمعرفة ورغبة في الوصول للحقيقة، وتقديساً لحرية الرأي والكلمة البناءة، تجده كثير القراءة والتتبع للكتب والبحوث، ومعرفة الآراء حتی آراء زملائه وأقرانه أو آراء بعض المغمورين في خضم الحوزة العلمية، فتراه بعض الأحيان يشير في بحثه لرأي لطيف لأحد الأفاضل مع أنه ليس من أساتذته، فطرح هذه ومناقشتها مع أنها لم تصدر من أساطين أساتذته يمثل لنا صورة حية من صور الإنصاف واحترام آراء الآخرين.
ب ـ الأدب في الحوار: إن بحوث النجف معروفة بالحوار الساخن بين الزملاء أو الأُستاذ وتلميذه، وذلك مما يصقل ثقافة الطالب وقوته العلمية، وأحياناً قد يكون الحوار جدلاً فارغاً لايوصل لهدف علمي، بل مضمونه إبراز العضلات في الجدل وقوة المعارضة، وذلك مما يستهلك وقت الطالب الطموح، ويبعده عن الجو الروحي للعلم والمذاكرة، ويتركه يحوم في حلقة عقيمة دون الوصول للهدف.
أما بحث سماحة آية الله العظمی السيد السيستاني (دام ظله) فإنه بعيد كل البعد عن الجدل وأساليب الإسكات والتوهين، فهو في نقاشه آراء الآخرين أو مع أساتذته يستخدم الكلمات المؤدبة التي تحفظ مقام العلماء وعظمتهم .
ج ـ خلق التربية: التدريس ليس وظيفة رسمية أو روتينية يمارسها الأُستاذ في مقابل مقدار من المال، فإن هذه النظرة تبعد المدرس عن تقويم التلميذ والعناية بتربيته والصعود بمستواه العلمي للتفوق والظهور، كما أن التدريس لايقتصر علی التربية العلمية من محاولة الترشيد التربوي لمسيرة الطالب، بل التدريس رسالة خطيرة تحتاج مزاولتها لروح الحب والإشفاق علی الطالب، وحثه نحو العلم وآدابه ، وإذا كان يحصل في الحوزة أو غيرها أحياناً رجال لايخلصون لمسؤولية التدريس والتعليم، فإن في الحوزات أساتذة مخلصين يرون التدريس رسالة سماوية، لابد من مزاولتها، بروح المحبة والعناية التامة بمسيرة التلميذ العلمية والعملية .
د ـ الورع: إن بحوث النجف ظاهرة جلية في كثير من العلماء والأعاظم، وهي ظاهرة البعد عن مواقع الضوضاء والفتن، وربما يعتبر هذا البعد عند بعضهم موقفاً سلبياً لأنه هروب من مواجهة الواقع وتسجيل الموقف الصريح المرضي للشرع المقدس، ولكنه عند التأمل يظهر بأنه موقف إيجابي وضروري أحياناً للمصلحة العامة ومواجهة الواقع، وتسجيل الموقف الشرعي يحتاج لظروف موضوعية وأرضية صالحة تتفاعل مع هذا الموقف .
هـ ـ الإنتاج الفكري: سماحة آية الله العظمی السيد السيستاني (دام ظله) ليس فقيهاً فقط، بل هو رجل مثقف مطلع علی الثقافات المعاصرة، ومتفتح علی الأفكار الحضارية المختلفة، ويمتلك الرؤية الثاقبة في المسيرة العالمية في المجال الاقتصادي والسياسي، وعنده نظرات ادارية جيدة وأفكار اجتماعية مواكبة للتطور الملحوظ، واستيعاب للأوضاع المعاصرة، بحيث تكون الفتوی، في نظره طريقاً صالحاً للخير في المجتمع المسلم.
مرجعيته
نقل بعض أساتذة النجف الأشرف أنه بعد وفاة آية الله السيد نصر الله المستنبط (قدس سره) اقترح مجموعة من الفضلاء علی الإمام الخوئي (قدس سره) إعداد الأرضية لشخص يُشار إليه بالبنان، مؤهل للمحافظة علی المرجعية والحوزة العلمية في النجف الأشرف، فكان اختيار سماحة آية الله العظمی السيد السيستاني (دام ظله) لفضله العلمي، وصفاء سلوكه وخطه.
ويذكر أنه كان في عيادة استاذه المرحوم آية الله العظمی السيد الخوئي (قدس سره) في 29 ربيع الثاني (1409 هـ.ق) لوكعة صحية المّت به فطلب منه ان يقيم صلاة الجماعة في مكانه في جامع الخضراء، فلم يوافق علی ذلك في البداية فألح عليه في الطلب وقال له: (لو كنت احكم كما كان يفعل ذلك المرحوم الحاج آقا حسين القمي (قدس سره) لحكمت عليكم بلزوم القبول) فاستمهله بضعة ايام ونهاية الامر استجاب لطلبه وأمّ المصلين من يوم الجمعة 5 جمادی الاولی (1409 هـ.ق) الی الجمعة الاخيرة من شهر ذي الحجة عام (1414 هـ.ق) حيث أغلق الجامع.
وبعد وفاة الإمام الخوئي (قدس سره) كان من الستة المشيعين لجنازته ليلاً، وهو الذي صلّی علی جثمانه الطاهر، وقد تصدی بعدها للتقليد وشؤون المرجعية وزعامة الحوزة العلمية، بإرسال الإجازات، وتوزيع الحقوق، والتدريس علی منبر الإمام الخوئي (قدس سره) في مسجد الخضراء .
وبدأ ينتشر تقليده وبشكل سريع في العراق والخليج ومناطق أُخری، كالهند وأفريقيا وغيرها،
وخصوصاً بين الأفاضل في الحوزات العلمية، وبين الطبقات المثقفة والشابة، لما يعرف عنه من أفكار حضارية متطورة، وهو (دام ظله) من القلة المعدودين من أعاظم الفقهاء الذين تدور حولهم الأعلمية بشهادة غير واحد من أهل الخبرة وأساتيذ الحوزات العلمية في النجف الأشرف وقم المقدسة، فأدام الله ظله الوارف علی رؤوس الأنام وجعله لنا ذخراً وملاذاً.
وكما يذكر أنه تشرف بزيارة بيت الله الحرام لأداء الحج مرة في عام (1386 هـ.ق) ومرتين متتاليتين في عامي (1405 هـ) و (1406 هـ.ق) .
مسيرته الجهادية
كان النظام البعثي يسعی بكل وسيلة للقضاء علی الحوزة العلمية في النجف الأشرف منذ السنين الأولی من تسلمه للسلطة في العراق ، وقد قام بعمليات تسفير واسعة للعلماء والفضلاء وسائر الطلاب الاجانب ، ولاقی سيدنا الاستاذ (دام ظله) عناءاً بالغاً من جراء ذلك وكاد ان يسفّر عدة مرات وتم تسفير مجاميع من تلامذته وطلاب مجلس درسه في فترات متقاربة ، ثم كانت الظروف القاسية جداً ايام الحرب العراقية الايرانية ، ولكن علی الرغم من ذلك فقد اصرّ دام ظله علی البقاء في النجف الأشرف وواصل التدريس في حوزته العلمية المقدسة ايماناً منه بلزوم استمرار المسار الحوزوي المستقل عن الحكومات تفادياً للسلبيات التي تنجم عن تغيير هذا المسار .
وفي عام 1411هـ عندما قضی النظام علی الانتفاضة الشعبانية اعتقل سيدنا الاستاذ (دام ظله) ومعه مجموعة من العلماء كالشهيد الشيخ مرتضی البروجردي والشهيد الميرزا علي الغروي وقد تعرضوا للضرب والاستجواب القاسي في فندق السلام وفي معسكر الرزازة وفي معتقل الرضوانية إلی ان فرّج الله عنهم ببركة اهل البيت (ع) .
وفي عام 1413هـ عندما توفي الامام السيد الخوئي رضوان الله عليه وتصدی سيدنا الاستاذ (دام ظله) للمرجعية حاولت سلطات النظام السابق تغيير مسار المرجعية الدينية في النجف الأشرف وبذلت ما في وسعها في الحطّ من موقع السيد الاستاذ (دام ظله) ومكانته المتميزة بين المراجع وسعت إلی تفرق المؤمنين عنه بأساليب متعددة منها اغلاق جامع الخضراء في أواخر ذي الحجة عام 1414هـ كما تقدم .
وعندما وجد النظام ان محاولاته قد باءت جميعاً بالفشل خطط لاغتيال سيدنا الاستاذ وتصفيته وقد كشفت وثائق جهاز المخابرات عن عدد من هذه المخططات ولكن مكروا ومكر الله والله خير الماكرين .
وهكذا بقي سيدنا الاستاذ (دام ظله) رهين داره منذ أواخر عام 1418هـ حتی انه لم يتشرّف بزيارة جده الامام أمير المؤمنين (ع) طوال هذه الفترة .
منقول بتصرف " من موقع السيد السيستاني دام ظله
http://www.yesmeenah.com/smiles/smiles/38/00%20(1).gif (http://www.yesmeenah.com)
لقدأثمر منبر الإمام الخوئي الراحل (قدس سره) خلال أكثر من نصف قرن ثماراً عظيمة جليلة، هي الأزكی والأفضل عطاءً علی صعيد الفكر الإسلامي، وفي مختلف العلوم والقضايا والمواقف الإسلامية المهمة، حيث تخرّج من بين يديه مئات الفقهاء والمجتهدين والفضلاء العظام الذين أُخذوا علی عواتقهم مواصلة مسيرته الفكرية ودربه الحافل بالبذل والعطاء والتضحية لخدمة الإسلام والعِلم والمجتمع، معظمهم اليوم أساتذة الحوزات العلمية وبالخصوص في النجف الأشرف وقم المقدسة، ومنهم في مستوی الكفاءة والجدارة العلمية والاجتماعية التي تؤهلهم للقيام بمسؤولية التربية والتعليم، ومسؤولية المرجعية والقيادة، ورعاية الأُمة في يومنا الحاضر.
ومن أهم وأبرز أولئك العباقرة، سيدنا الأُستاذ آية الله العظمی السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظله)، فهو من أبرز تلامذة الإمام الخوئي الراحل (قدس سره الشريف)، نبوغاً وعلماً وفضلاً وأهلية، وسيكون حديثنا في السطور القادمة حول شخصية هذا العَلَم الكبير بشيء من التفصيل.
ولادته ونشأته
ولد سماحته في التاسع من شهر ربيع الاول عام (1349 هـ . ق) في المشهد الرضوي الشريف، وسماه والده علي تيمناً باسم جده الآتي ذكره .
والده هو المقدس المرحوم السيد محمد باقر ، وأما جده الادنی فهو العلم الجليل (السيد علي) الذي ترجم له العلامة الشيخ أغا بزرك الطهراني في طبقات أعلام الشيعة (القسم الرابع ص 1432) وذكر انه كان في النجف الاشرف من تلامذة الحجة المؤسس المولی علي النهاوندي وفي سامراء من تلامذة المجدد الشيرازي، ثم اختص بالحجة السيد اسماعيل الصدر، وفي حدود سنة (1308 هـ) عاد الی مشهد الرضا (عليه السلام) واستقر فيه وقد حاز مكانة سامية مع ما كان له من حظ وافر في العلم مع تقی وصلاح، ومن تلامذته المعروفين الفقيه الكبير الشيخ محمد رضا آل ياسين (قدس سره).
كانت أسرته (وهي من الاسر العلوية الحسينية) تسكن في اصفهان علی عهد السلاطين الصفويين وقد عين جده الاعلی (السيد محمد) في منصب شيخ الاسلام في سيستان في زمن السلطان حسين الصفوي فانتقل اليها وسكنها هو وذريته من بعده.
وأول من هاجر من أحفاده الی مشهد الرضا (عليه السلام) هو المرحوم (السيد علي) المار ذكره حيث استقر فيه برهة من الزمن في مدرسة المرحوم الملا محمد باقر السبزواري ومن ثم هاجر الی النجف الاشرف لاكمال دراسته.
بدأ سماحة السيد (دام ظله) وهو في الخامسة من عمره بتعلم القرآن الكريم ثم دخل مدرسة دار التعليم الديني لتعلم القراءة والكتابة ونحوها، فتخرج من هذه المدرسة وقد تعلم أثناء ذلك فن الخط من استاذه (الميرزا علي آقا)
وفي أوائل عام (1371 هـ.ق) هاجر من مدينة قم الی النجف الاشرف، فوصل كربلاء المقدسة في ذكری أربعين الامام الحسين (عليه السلام) ثم نزل النجف فسكن مدرسة البخارائي العلمية وحضر بحوث العلمين الشهيرين آية الله العظمی السيد أبو القاسم الخوئي والعلامة الشيخ حسين الحلي (قدس سرهما) في الفقه والاصول ولازمهما مدة طويلة، وحضر خلال ذلك أيضاً بحوث بعض الاعلام الآخرين منهم الامام الحكيم والسيد الشاهرودي (قدس سرهما).
نبوغه العلمي
لقد برز سماحة آية الله العظمی السيد السيستاني (دام ظله) في بحوث أساتذته بتفوق بالغ علی أقرانه وذلك في قوة الإشكال، وسرعة البديهة، وكثرة التحقيق والتتبع في الفقه والرجال، ومواصلة النشاط العلمي، وإلمامه بكثير من النظريات في مختلف الحقول العلمية الحوزوية. ومما يشهد علی ذلك شهادة خطية من الإمام الخوئي (رضوان الله تعالی عليه) وشهادة أُخری من العلامة الشيخ حسين الحلي (قدس سره)، وقد شهدا ببلوغه درجة الاجتهاد في شهادتين مؤرختين في عام (1380 هـ.ق) مغمورتين بالثناء الكبير علی فضله وعلمه، علی أن المعروف عن الإمام الخوئي (قدس سره) أنه لايشهد لأحد من تلامذته بالاجتهاد شهادة خطية، إلا لسيدنا الأُستاذ وآية الله الشيخ علي الفلسفي من مشاهير علماء مشهد المقدسة.
كما كتب له شيخ محدثي عصره العلامة الشيخ أغا بزرك الطهراني (قدس سره) شهادة مؤرخة في عام (1380 هـ) أيضاً يطري فيها علی مهارته في علمي الرجال والحديث. أي أن سيدنا الاستاذ قد حاز علی هذه المرتبة العظيمة بشهادة العظماء من العلماء وهو في الحادية والثلاثين من عمره.
وأما منهجه الفقهي فله فيه منهج خاص يتميز في تدريس الفقه وطرحه، ولهذا المنهج عدة ملامح وهي:
أ ـ المقارنة بين فقه الشيعة وفقه غيرهم من المذاهب الإسلامية الأُخری، فإن الإطلاع علی الفكر الفقهي السني المعاصر لزمان النص كالاطلاع علی موطأ مالك وخراج أبي يوسف وأمثالهم، يوضح أمامنا مقاصد الأئمة (عليهم السلام) ونظرهم حين طرح النصوص.
ب ـ الاستفادة من علم القانون الحديث في بعض المواضع الفقهية، كمراجعته للقانون العراقي والمصري والفرنسي عند بحثه في كتاب البيع والخيارات، والإحاطة بالفكر القانوني المعاصر تزود ألإنسان خبرة قانونية يستعين بها علی تحليل القواعد الفقهية وتوسعة مداركها وموارد تطبيقها.
ج ـ التجديد في الأُطروحة: إن معظم علمائنا الأعلام يتلقون بعض القواعد الفقهية بنفس الصياغة التي طرحها السابقون، ولا يزيدون في البحث فيها إلا عن صلاحية المدرك لها أو عدمه، ووجود مدرك آخر وعدمه، أما سماحة آية الله العظمی السيد السيستاني (دام ظله) فإنه يحاول الاهتمام في بعض القواعد الفقهية بتغير الصياغة، مثلاً بالنسبة لقاعدة الإلزام التي يفهمها بعض الفقهاء من الزاوية المصلحية بمعنی أن للمسلم المؤمن الاستفادة في تحقيق بعض رغباته الشخصية من بعض القوانين للمذاهب الأُخری، وإن كان مذهبه لايقرها، بينما يطرحه سماحة آية الله العظمی السيد السيستاني (دام ظله) علی أساس الاحترام، ويسميها بقاعدة الاحترام، أي احترام آراء الآخرين وقوانينهم، وانطلاقه من حرية الرأي وهي علی سياق ـ لكل قوم نكاح ـ .
معالم شخصيته
أ ـ الإنصاف واحترام الرأي: إن سماحة آية الله العظمی السيد السيستاني (دام ظله) انطلاقاً من عشقه العلم والمعرفة ورغبة في الوصول للحقيقة، وتقديساً لحرية الرأي والكلمة البناءة، تجده كثير القراءة والتتبع للكتب والبحوث، ومعرفة الآراء حتی آراء زملائه وأقرانه أو آراء بعض المغمورين في خضم الحوزة العلمية، فتراه بعض الأحيان يشير في بحثه لرأي لطيف لأحد الأفاضل مع أنه ليس من أساتذته، فطرح هذه ومناقشتها مع أنها لم تصدر من أساطين أساتذته يمثل لنا صورة حية من صور الإنصاف واحترام آراء الآخرين.
ب ـ الأدب في الحوار: إن بحوث النجف معروفة بالحوار الساخن بين الزملاء أو الأُستاذ وتلميذه، وذلك مما يصقل ثقافة الطالب وقوته العلمية، وأحياناً قد يكون الحوار جدلاً فارغاً لايوصل لهدف علمي، بل مضمونه إبراز العضلات في الجدل وقوة المعارضة، وذلك مما يستهلك وقت الطالب الطموح، ويبعده عن الجو الروحي للعلم والمذاكرة، ويتركه يحوم في حلقة عقيمة دون الوصول للهدف.
أما بحث سماحة آية الله العظمی السيد السيستاني (دام ظله) فإنه بعيد كل البعد عن الجدل وأساليب الإسكات والتوهين، فهو في نقاشه آراء الآخرين أو مع أساتذته يستخدم الكلمات المؤدبة التي تحفظ مقام العلماء وعظمتهم .
ج ـ خلق التربية: التدريس ليس وظيفة رسمية أو روتينية يمارسها الأُستاذ في مقابل مقدار من المال، فإن هذه النظرة تبعد المدرس عن تقويم التلميذ والعناية بتربيته والصعود بمستواه العلمي للتفوق والظهور، كما أن التدريس لايقتصر علی التربية العلمية من محاولة الترشيد التربوي لمسيرة الطالب، بل التدريس رسالة خطيرة تحتاج مزاولتها لروح الحب والإشفاق علی الطالب، وحثه نحو العلم وآدابه ، وإذا كان يحصل في الحوزة أو غيرها أحياناً رجال لايخلصون لمسؤولية التدريس والتعليم، فإن في الحوزات أساتذة مخلصين يرون التدريس رسالة سماوية، لابد من مزاولتها، بروح المحبة والعناية التامة بمسيرة التلميذ العلمية والعملية .
د ـ الورع: إن بحوث النجف ظاهرة جلية في كثير من العلماء والأعاظم، وهي ظاهرة البعد عن مواقع الضوضاء والفتن، وربما يعتبر هذا البعد عند بعضهم موقفاً سلبياً لأنه هروب من مواجهة الواقع وتسجيل الموقف الصريح المرضي للشرع المقدس، ولكنه عند التأمل يظهر بأنه موقف إيجابي وضروري أحياناً للمصلحة العامة ومواجهة الواقع، وتسجيل الموقف الشرعي يحتاج لظروف موضوعية وأرضية صالحة تتفاعل مع هذا الموقف .
هـ ـ الإنتاج الفكري: سماحة آية الله العظمی السيد السيستاني (دام ظله) ليس فقيهاً فقط، بل هو رجل مثقف مطلع علی الثقافات المعاصرة، ومتفتح علی الأفكار الحضارية المختلفة، ويمتلك الرؤية الثاقبة في المسيرة العالمية في المجال الاقتصادي والسياسي، وعنده نظرات ادارية جيدة وأفكار اجتماعية مواكبة للتطور الملحوظ، واستيعاب للأوضاع المعاصرة، بحيث تكون الفتوی، في نظره طريقاً صالحاً للخير في المجتمع المسلم.
مرجعيته
نقل بعض أساتذة النجف الأشرف أنه بعد وفاة آية الله السيد نصر الله المستنبط (قدس سره) اقترح مجموعة من الفضلاء علی الإمام الخوئي (قدس سره) إعداد الأرضية لشخص يُشار إليه بالبنان، مؤهل للمحافظة علی المرجعية والحوزة العلمية في النجف الأشرف، فكان اختيار سماحة آية الله العظمی السيد السيستاني (دام ظله) لفضله العلمي، وصفاء سلوكه وخطه.
ويذكر أنه كان في عيادة استاذه المرحوم آية الله العظمی السيد الخوئي (قدس سره) في 29 ربيع الثاني (1409 هـ.ق) لوكعة صحية المّت به فطلب منه ان يقيم صلاة الجماعة في مكانه في جامع الخضراء، فلم يوافق علی ذلك في البداية فألح عليه في الطلب وقال له: (لو كنت احكم كما كان يفعل ذلك المرحوم الحاج آقا حسين القمي (قدس سره) لحكمت عليكم بلزوم القبول) فاستمهله بضعة ايام ونهاية الامر استجاب لطلبه وأمّ المصلين من يوم الجمعة 5 جمادی الاولی (1409 هـ.ق) الی الجمعة الاخيرة من شهر ذي الحجة عام (1414 هـ.ق) حيث أغلق الجامع.
وبعد وفاة الإمام الخوئي (قدس سره) كان من الستة المشيعين لجنازته ليلاً، وهو الذي صلّی علی جثمانه الطاهر، وقد تصدی بعدها للتقليد وشؤون المرجعية وزعامة الحوزة العلمية، بإرسال الإجازات، وتوزيع الحقوق، والتدريس علی منبر الإمام الخوئي (قدس سره) في مسجد الخضراء .
وبدأ ينتشر تقليده وبشكل سريع في العراق والخليج ومناطق أُخری، كالهند وأفريقيا وغيرها،
وخصوصاً بين الأفاضل في الحوزات العلمية، وبين الطبقات المثقفة والشابة، لما يعرف عنه من أفكار حضارية متطورة، وهو (دام ظله) من القلة المعدودين من أعاظم الفقهاء الذين تدور حولهم الأعلمية بشهادة غير واحد من أهل الخبرة وأساتيذ الحوزات العلمية في النجف الأشرف وقم المقدسة، فأدام الله ظله الوارف علی رؤوس الأنام وجعله لنا ذخراً وملاذاً.
وكما يذكر أنه تشرف بزيارة بيت الله الحرام لأداء الحج مرة في عام (1386 هـ.ق) ومرتين متتاليتين في عامي (1405 هـ) و (1406 هـ.ق) .
مسيرته الجهادية
كان النظام البعثي يسعی بكل وسيلة للقضاء علی الحوزة العلمية في النجف الأشرف منذ السنين الأولی من تسلمه للسلطة في العراق ، وقد قام بعمليات تسفير واسعة للعلماء والفضلاء وسائر الطلاب الاجانب ، ولاقی سيدنا الاستاذ (دام ظله) عناءاً بالغاً من جراء ذلك وكاد ان يسفّر عدة مرات وتم تسفير مجاميع من تلامذته وطلاب مجلس درسه في فترات متقاربة ، ثم كانت الظروف القاسية جداً ايام الحرب العراقية الايرانية ، ولكن علی الرغم من ذلك فقد اصرّ دام ظله علی البقاء في النجف الأشرف وواصل التدريس في حوزته العلمية المقدسة ايماناً منه بلزوم استمرار المسار الحوزوي المستقل عن الحكومات تفادياً للسلبيات التي تنجم عن تغيير هذا المسار .
وفي عام 1411هـ عندما قضی النظام علی الانتفاضة الشعبانية اعتقل سيدنا الاستاذ (دام ظله) ومعه مجموعة من العلماء كالشهيد الشيخ مرتضی البروجردي والشهيد الميرزا علي الغروي وقد تعرضوا للضرب والاستجواب القاسي في فندق السلام وفي معسكر الرزازة وفي معتقل الرضوانية إلی ان فرّج الله عنهم ببركة اهل البيت (ع) .
وفي عام 1413هـ عندما توفي الامام السيد الخوئي رضوان الله عليه وتصدی سيدنا الاستاذ (دام ظله) للمرجعية حاولت سلطات النظام السابق تغيير مسار المرجعية الدينية في النجف الأشرف وبذلت ما في وسعها في الحطّ من موقع السيد الاستاذ (دام ظله) ومكانته المتميزة بين المراجع وسعت إلی تفرق المؤمنين عنه بأساليب متعددة منها اغلاق جامع الخضراء في أواخر ذي الحجة عام 1414هـ كما تقدم .
وعندما وجد النظام ان محاولاته قد باءت جميعاً بالفشل خطط لاغتيال سيدنا الاستاذ وتصفيته وقد كشفت وثائق جهاز المخابرات عن عدد من هذه المخططات ولكن مكروا ومكر الله والله خير الماكرين .
وهكذا بقي سيدنا الاستاذ (دام ظله) رهين داره منذ أواخر عام 1418هـ حتی انه لم يتشرّف بزيارة جده الامام أمير المؤمنين (ع) طوال هذه الفترة .
منقول بتصرف " من موقع السيد السيستاني دام ظله