ام محسن
11-11-2010, 11:30 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
الله صلي على محمد وعلى آل محمد وعجل فرجهم
الكاتب : محمد عبدالله محمد (http://www.alwasatnews.com/writers/writer-45.html)
---------------------
كثيرٌ من الناس وُلِدُوا وهم أيتام فاقدين لأحد الأبوين أو كليهما. وكثيرٌ منهم تيتّموا وهم أطفالٌ أو يافِعون. زَمَنيّة «تَيَتُّمِهِم» تختلف، لكنهم جميعاً عاشوا حالة اليُتْم. ومعاناة «تَيَتُّمِهِم» أيضاً تختلف لكنهم يتفقون في أنهم ذاقوا مرارة اليُتم وإن بمراتب ودرجات متباينة.
بالتأكيد مَنْ فَقَدَ الأبَوَيْن معاً سيكون الأشدّ بينهم. ومَنْ فَقَدَ أمّه سيكون في مرتبة تالية في المعاناة. ومَنْ فَقَدَ أباه سيكون في مرتبة ثالثة. وما بين النموذج الأول والأخير تقسو الحياة على هؤلاء بما لا يتصوّره أحد ممن عاش في كنفِ والدَيْه عزيزاً، يُحَنُّ على طفولته ويُسْهَر على راحته، ويُسأل عن حاله، ويُرْبَتُ على كتفيه، ويُعْطَى أكله وشربه ودواءه ومالَه بانتظام ودقَّة.
أما اليتيم، فنسيانه جائعاً أو عطشاناً أو محتاجاً فواردة وبقوّة. فهو وإن كان يُرْعَى من أحد جَدّيْه أو أخواله أو أعمامه يبقى الاهتمام به نابعاً من العَطْف المُحَيَّنِ بموقف ما يُذكِّر من يرعاه بضرورة الرعاية وواجبها. أما الانتظام والحرص عليها فلا تُمْلِيه التربية اليومية للأولاد المباشرين والتي لا تُنسيها عادة ظروف الحياة، أكانَت قاسية أو ناعِمة؛ باعتبارها الأصل في العلاقة بينهما.
يُضرَب اليتيم في مدرسته ويَعتَدِي عليه أقرانه فلا يجد أحداً يلجأ إليه. وحين يُهَان أو يُعَيَّر أو تُنتَهَك حقوقه الشخصية يبلع الإهانة والتعيير والانتهاك لوحده دون أن يعينه على ذلك أحد. أقصى ما يفعله هو البكاء وحيداً في رُكْنٍ واطِئ وكأنه في تِيْه. وربما يُصبح لحماً طرياً يلتهمه الآخرون، ومثالاً للقسوة عليه كلما وجده أقرانه مكشوف الظهر لا يلوي على شيء.
ليس ذلك وحده فقط. فقد يسْمعُ اليتيم كلاماً هو كالسُّم المُنقَّع يسري بين حلقه ولهَاتِه. فعندما تُذكَر قُدَّامه لفظة الأم وحنانها وصبرها على أبنائها في السهر والحُمّى والتوصية بضرورة الاعتناء بها في عيدها في الوقت الذي هو فاقد لأمه ولريحها، أو لفظة الأبوّة وسَنَدِيّة الأب لأطفاله في الشدائد والمخاطر وهو يتيم الأب، فإن ذلك ما لا يحتمله أحد في عُمره الغَضْ.
مناسبة الحديث هو الوقوف على أوضاع الطلاب اليتامى في مدارسنا الابتدائية وربما في غيرها أيضاً. فالعديد من المناهج الدراسية تحتوي على نصوص تعليمية تتحدّث عن الأم والأب والأسرة بطريقة عاطفية تلامس أوتار القلب. وهي نصوص في أغلبها (إن لم تكن جميعها) إجباريّة وليست اختيارية، الأمر الذي يعني أن تدريسها للطلاب أمر واجب، تحوّطاً لإمكانية مجيئها في الامتحانات الفصلية والنهائية. لذا فإن المُعلِّمين يبذلون أقصى جهود التعليم وإيصال الفكرة للطلاب بالصّورة والتعبير اللازِمَيْن، ليبقى الطالب اليتيم مستمعاً للحديث ولكن بقلب مكسور، وخيال محدود، وبأحلام لن تتحقق له لأن أبطالها قد غادروا عنه الحياة.
ما يُرجى من وزارة التربية والتعليم، هو أن تعيد النّظر في إلزامية تلك النصوص، وجعلها اختيارية، لكي يستطيع المعلّمون أن يتكيّفوا معها بالصورة التي لا تؤلم أولئك الطلاب المَكلُومِيْن. ولا أعتقد أن هذا الأمر بعَصِيٍّ على المعنيين بشئون المناهج في الوزارة، أو أنهم قادرين على اجتراح بدائل تُؤدّي الرسالة ولكن بطريقة أخرى.
كما أن الرجاء الآخر هو لكلّ مُعَلِّمٍ ومُعلِّمَة بمدارسنا العامرة، وهو ألا تغيب عنهم رعايتهم المُضاعفَة لطلابهم اليتامى. فليدقّقوا في الوضع الاجتماعي لطلابهم، فإن وجدوا فيهم من هو مَكْلُومٌ لفقد أحد والديه أو كليهما فلا يقسوا عليه أكثر مما هو فيه من مُصاب، بذكرهم الأم أو الأب وحنانهما ودفء حضنيهما. فمراعاة ذلك هو من صميم الحِسّ الديني، وقبله الحِسّ الإنساني النَّاظِم لعلاقات البشر.
الله صلي على محمد وعلى آل محمد وعجل فرجهم
الكاتب : محمد عبدالله محمد (http://www.alwasatnews.com/writers/writer-45.html)
---------------------
كثيرٌ من الناس وُلِدُوا وهم أيتام فاقدين لأحد الأبوين أو كليهما. وكثيرٌ منهم تيتّموا وهم أطفالٌ أو يافِعون. زَمَنيّة «تَيَتُّمِهِم» تختلف، لكنهم جميعاً عاشوا حالة اليُتْم. ومعاناة «تَيَتُّمِهِم» أيضاً تختلف لكنهم يتفقون في أنهم ذاقوا مرارة اليُتم وإن بمراتب ودرجات متباينة.
بالتأكيد مَنْ فَقَدَ الأبَوَيْن معاً سيكون الأشدّ بينهم. ومَنْ فَقَدَ أمّه سيكون في مرتبة تالية في المعاناة. ومَنْ فَقَدَ أباه سيكون في مرتبة ثالثة. وما بين النموذج الأول والأخير تقسو الحياة على هؤلاء بما لا يتصوّره أحد ممن عاش في كنفِ والدَيْه عزيزاً، يُحَنُّ على طفولته ويُسْهَر على راحته، ويُسأل عن حاله، ويُرْبَتُ على كتفيه، ويُعْطَى أكله وشربه ودواءه ومالَه بانتظام ودقَّة.
أما اليتيم، فنسيانه جائعاً أو عطشاناً أو محتاجاً فواردة وبقوّة. فهو وإن كان يُرْعَى من أحد جَدّيْه أو أخواله أو أعمامه يبقى الاهتمام به نابعاً من العَطْف المُحَيَّنِ بموقف ما يُذكِّر من يرعاه بضرورة الرعاية وواجبها. أما الانتظام والحرص عليها فلا تُمْلِيه التربية اليومية للأولاد المباشرين والتي لا تُنسيها عادة ظروف الحياة، أكانَت قاسية أو ناعِمة؛ باعتبارها الأصل في العلاقة بينهما.
يُضرَب اليتيم في مدرسته ويَعتَدِي عليه أقرانه فلا يجد أحداً يلجأ إليه. وحين يُهَان أو يُعَيَّر أو تُنتَهَك حقوقه الشخصية يبلع الإهانة والتعيير والانتهاك لوحده دون أن يعينه على ذلك أحد. أقصى ما يفعله هو البكاء وحيداً في رُكْنٍ واطِئ وكأنه في تِيْه. وربما يُصبح لحماً طرياً يلتهمه الآخرون، ومثالاً للقسوة عليه كلما وجده أقرانه مكشوف الظهر لا يلوي على شيء.
ليس ذلك وحده فقط. فقد يسْمعُ اليتيم كلاماً هو كالسُّم المُنقَّع يسري بين حلقه ولهَاتِه. فعندما تُذكَر قُدَّامه لفظة الأم وحنانها وصبرها على أبنائها في السهر والحُمّى والتوصية بضرورة الاعتناء بها في عيدها في الوقت الذي هو فاقد لأمه ولريحها، أو لفظة الأبوّة وسَنَدِيّة الأب لأطفاله في الشدائد والمخاطر وهو يتيم الأب، فإن ذلك ما لا يحتمله أحد في عُمره الغَضْ.
مناسبة الحديث هو الوقوف على أوضاع الطلاب اليتامى في مدارسنا الابتدائية وربما في غيرها أيضاً. فالعديد من المناهج الدراسية تحتوي على نصوص تعليمية تتحدّث عن الأم والأب والأسرة بطريقة عاطفية تلامس أوتار القلب. وهي نصوص في أغلبها (إن لم تكن جميعها) إجباريّة وليست اختيارية، الأمر الذي يعني أن تدريسها للطلاب أمر واجب، تحوّطاً لإمكانية مجيئها في الامتحانات الفصلية والنهائية. لذا فإن المُعلِّمين يبذلون أقصى جهود التعليم وإيصال الفكرة للطلاب بالصّورة والتعبير اللازِمَيْن، ليبقى الطالب اليتيم مستمعاً للحديث ولكن بقلب مكسور، وخيال محدود، وبأحلام لن تتحقق له لأن أبطالها قد غادروا عنه الحياة.
ما يُرجى من وزارة التربية والتعليم، هو أن تعيد النّظر في إلزامية تلك النصوص، وجعلها اختيارية، لكي يستطيع المعلّمون أن يتكيّفوا معها بالصورة التي لا تؤلم أولئك الطلاب المَكلُومِيْن. ولا أعتقد أن هذا الأمر بعَصِيٍّ على المعنيين بشئون المناهج في الوزارة، أو أنهم قادرين على اجتراح بدائل تُؤدّي الرسالة ولكن بطريقة أخرى.
كما أن الرجاء الآخر هو لكلّ مُعَلِّمٍ ومُعلِّمَة بمدارسنا العامرة، وهو ألا تغيب عنهم رعايتهم المُضاعفَة لطلابهم اليتامى. فليدقّقوا في الوضع الاجتماعي لطلابهم، فإن وجدوا فيهم من هو مَكْلُومٌ لفقد أحد والديه أو كليهما فلا يقسوا عليه أكثر مما هو فيه من مُصاب، بذكرهم الأم أو الأب وحنانهما ودفء حضنيهما. فمراعاة ذلك هو من صميم الحِسّ الديني، وقبله الحِسّ الإنساني النَّاظِم لعلاقات البشر.