ام محسن
09-01-2010, 09:20 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد وعجل فرجهم
الكاتب : سيدقاسم حسين
-----------------------
يعتبر اليوم الحادي والعشرون من رمضان العام 40 للهجرة، يوماً فاصلاً في تاريخ الإسلام، أسدل فيه الستار على حقبة الخلافة الراشدة، لتبدأ مرحلة السلطنة والاستبداد والملك العضوض.
ففي مثل هذا اليوم، كانت الخاتمة لحياة رجل ملأ سمع الدنيا في حياته، محارباً في مقدمة الغزوات، ومناضلاً في سبيل رفعة الإنسان، وحاكماً مازالت الدنيا تتطلّع لعدله، كلما عضّها الظلم وأنهكها التسلط والاستئثار. ومن مساخر التاريخ أن تنتهي حياة بكل هذا الغنى والإشراق، بضربة رجلٍ من بقايا حركةٍ فوضويةٍ مشوّشة الفكر والرؤيا، كانت الدفعة الأولى من الخوارج.
كان الاغتيال نهاية المطاف، بعد سلسلةٍ طويلةٍ من المواجهات الشرسة، بين الخليفة العادل، وهذه الفئة المتشدّدة الجامحة. بدأت بالاعتراض عليه أثناء الحرب وهو قائد الجيش الأعلى حتى أرغمته على القبول بمهزلة التحكيم، واستمر ذلك حتى تجرأ أحدهم على التطاول عليه بقوله أمام الجمهور وهو قائمٌ خطيباً: «قاتله اللهُ كافر ما أفقهه». فبعد عقود من الكفاح لإعلاء راية التوحيد، يحكم عليه هؤلاء الجهلة بالكفر! وحين همّ به أصحابه منعهم بقوله: «سبٌ بسبّ، أو عفوٌ عن ذنب»، وهذا هو الحكم العادل النزيه، الذي يمنعك من استباحة دماء وأعراض وكرامات من يخالفونك الرأي والموقف الفكري أو السياسي.
كان لديه ألف سببٍ وسببٍ لو أراد أن يبطش بمعارضيه، وكان عصره يقبل بمثل تلك الانتهاكات، ولكنه لم يتحرّك ضدهم إلا بعد أن رفعوا السيوف وأعلنوا التمرد المسلّح، واستهلوه بقتل أحد الصحابة وبقر بطن زوجته الحامل. ولما أحاطهم بجيشه بدأهم بالنصح، فانقسموا على أنفسهم، فعاد بعضهم بينما شرع البعض الآخر برشقه بالنبال. هنالك بشّر أصحابه بقوله: «لن يُقتل منكم عشرة ولن يفلت منهم عشرة». وحين انتهت المعركة كما قال، تصوّر بعض أصحابه أن صفحة الخوارج قد طُويت إلى الأبد، فصحّحهم بقوله: «كلا والله، إنهم نُطَفٌ في أصلاب الرجال وقرارات النساء». فقد شهد القرنان التاليان بزوغ بعض نجومهم، ودخلوا في حروب طاحنة ضد الخلافتين الأموية والعباسية، وقامت لهم دول، ولكنها لم تستمر طويلاً لقيامها على فكرٍ تكفيري مشوّش، وانتهى أمرهم كما توقّع: «كلما نَجمَ منهم قرنٌ قُطع حتى يكون آخرهم لصوصاً سلابين». حتى وهو في أوج احتدام النزاع مع مناوئيه، لم يبح لنفسه أن يكفّرهم ويخرجهم من الدين الجامع الحنيف، وكان يردّد: «إخواننا بغوا علينا»، فيالله وللنُبل والخلق الكريم.
لم ينظر إلى الحكم على أنه غنيمةٌ يجب اقتناصها، وفرصةٌ يجب التشبث بها حتى آخر قطرةٍ من دماء الجند أو الرعية، بل هو «ماءٌ آجِنٌ، ولقمةٌ يغص بها آكلها». وحين دخل عليه ابن عباس (رض) فوجده يخصف نعله البالية، سأله عن قيمتها فأجابه: لا شيء، فقال إنها أثمن عنده من إمرتهم، «إلا أن أقيم حقاً أو أدفع باطلاً». وكرّر هذا المعنى بوصف أشد نكيراً، حين وصف المُلك الذي يتقاتل عليه أبناء الدنيا، بعفطة العنز... فهو مجرد رذاذٍ متطايرٍ من منخر العنزة حين عطاسها.
في ليلته الأخيرة، وهو مسجى على فراش الموت ينتظر داعي الله، أوصى أهله بحسن معاملة قاتله، وسألهم عمّا أطعموه، فإنّما هي ضربةٌ بضربة، فهذا هو القصاص وليس التشفّي والثأر. عاش يدير الدولة بأشواق الثوار وطموحات روّاد الإصلاح الكبار الكبار.
:ya3ali2: :ya3ali2: :ya3ali2:
اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد وعجل فرجهم
الكاتب : سيدقاسم حسين
-----------------------
يعتبر اليوم الحادي والعشرون من رمضان العام 40 للهجرة، يوماً فاصلاً في تاريخ الإسلام، أسدل فيه الستار على حقبة الخلافة الراشدة، لتبدأ مرحلة السلطنة والاستبداد والملك العضوض.
ففي مثل هذا اليوم، كانت الخاتمة لحياة رجل ملأ سمع الدنيا في حياته، محارباً في مقدمة الغزوات، ومناضلاً في سبيل رفعة الإنسان، وحاكماً مازالت الدنيا تتطلّع لعدله، كلما عضّها الظلم وأنهكها التسلط والاستئثار. ومن مساخر التاريخ أن تنتهي حياة بكل هذا الغنى والإشراق، بضربة رجلٍ من بقايا حركةٍ فوضويةٍ مشوّشة الفكر والرؤيا، كانت الدفعة الأولى من الخوارج.
كان الاغتيال نهاية المطاف، بعد سلسلةٍ طويلةٍ من المواجهات الشرسة، بين الخليفة العادل، وهذه الفئة المتشدّدة الجامحة. بدأت بالاعتراض عليه أثناء الحرب وهو قائد الجيش الأعلى حتى أرغمته على القبول بمهزلة التحكيم، واستمر ذلك حتى تجرأ أحدهم على التطاول عليه بقوله أمام الجمهور وهو قائمٌ خطيباً: «قاتله اللهُ كافر ما أفقهه». فبعد عقود من الكفاح لإعلاء راية التوحيد، يحكم عليه هؤلاء الجهلة بالكفر! وحين همّ به أصحابه منعهم بقوله: «سبٌ بسبّ، أو عفوٌ عن ذنب»، وهذا هو الحكم العادل النزيه، الذي يمنعك من استباحة دماء وأعراض وكرامات من يخالفونك الرأي والموقف الفكري أو السياسي.
كان لديه ألف سببٍ وسببٍ لو أراد أن يبطش بمعارضيه، وكان عصره يقبل بمثل تلك الانتهاكات، ولكنه لم يتحرّك ضدهم إلا بعد أن رفعوا السيوف وأعلنوا التمرد المسلّح، واستهلوه بقتل أحد الصحابة وبقر بطن زوجته الحامل. ولما أحاطهم بجيشه بدأهم بالنصح، فانقسموا على أنفسهم، فعاد بعضهم بينما شرع البعض الآخر برشقه بالنبال. هنالك بشّر أصحابه بقوله: «لن يُقتل منكم عشرة ولن يفلت منهم عشرة». وحين انتهت المعركة كما قال، تصوّر بعض أصحابه أن صفحة الخوارج قد طُويت إلى الأبد، فصحّحهم بقوله: «كلا والله، إنهم نُطَفٌ في أصلاب الرجال وقرارات النساء». فقد شهد القرنان التاليان بزوغ بعض نجومهم، ودخلوا في حروب طاحنة ضد الخلافتين الأموية والعباسية، وقامت لهم دول، ولكنها لم تستمر طويلاً لقيامها على فكرٍ تكفيري مشوّش، وانتهى أمرهم كما توقّع: «كلما نَجمَ منهم قرنٌ قُطع حتى يكون آخرهم لصوصاً سلابين». حتى وهو في أوج احتدام النزاع مع مناوئيه، لم يبح لنفسه أن يكفّرهم ويخرجهم من الدين الجامع الحنيف، وكان يردّد: «إخواننا بغوا علينا»، فيالله وللنُبل والخلق الكريم.
لم ينظر إلى الحكم على أنه غنيمةٌ يجب اقتناصها، وفرصةٌ يجب التشبث بها حتى آخر قطرةٍ من دماء الجند أو الرعية، بل هو «ماءٌ آجِنٌ، ولقمةٌ يغص بها آكلها». وحين دخل عليه ابن عباس (رض) فوجده يخصف نعله البالية، سأله عن قيمتها فأجابه: لا شيء، فقال إنها أثمن عنده من إمرتهم، «إلا أن أقيم حقاً أو أدفع باطلاً». وكرّر هذا المعنى بوصف أشد نكيراً، حين وصف المُلك الذي يتقاتل عليه أبناء الدنيا، بعفطة العنز... فهو مجرد رذاذٍ متطايرٍ من منخر العنزة حين عطاسها.
في ليلته الأخيرة، وهو مسجى على فراش الموت ينتظر داعي الله، أوصى أهله بحسن معاملة قاتله، وسألهم عمّا أطعموه، فإنّما هي ضربةٌ بضربة، فهذا هو القصاص وليس التشفّي والثأر. عاش يدير الدولة بأشواق الثوار وطموحات روّاد الإصلاح الكبار الكبار.
:ya3ali2: :ya3ali2: :ya3ali2: