المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التّاريخ يُحاكمُ نفسه ..ج2 .


أبو مرتضى علي
08-12-2010, 07:37 PM
الجلسةُ 2:

نسبة الفحشاء ليوسف "ع" .. لولا أن رأى برهان ربّه .؟
تقول الأشاعرة بعدم عصمة الأنبياء .. وكثيرا ما يستدلّـــــــون بما جرى بين يوسف الصدّيق "ع" وزوجة العزيز / وتأويلهم السقيم للآية الكريمة :
(ولقد همت به وهم بها لولا أن رآى برهان ربه كذلكلنصرف عنه السوء والفحشاء انه من عبادنا المخلصين(. يوسف الآية 24 .
في حين ترى الشيعة بالعصمة المطلقة .. ولها تفسيرها المنطقي لكلّ شبهه / دون الإعتماد على ظاهر الآية وفي هذه المسألة هذا بعض ممّا جاء عندهم نقلا عن الأئمة الأطهار "ع"
الجواب: إن الهم في اللغة ينقسم إلى وجوه: منها العزم علىالفعل كقوله تعالى: (إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهمعنكم. (المائدة الآية 11.
أي أرادوا ذلك وعزموا عليه.ومن وجوه الهم، خطور الشئ بالبال وإن لم يقع العزم عليه. قال اللهتعالى: (إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما (آل عمران 122.
وإنما أراد تعالىأن الفشل خطر ببالهم، ولو كان الهم في هذا المكان عزما، لما كان اللهتعالى ولا هما لأنه تعالى يقول: (ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أومتحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير. ( الأنفال الآية 16
وإرادةالمعصية، والعزم عليها معصية. وقد تجاوز ذلك قوم حتى قالوا إن العزمعلى الكبيرة كبيرة وعلى الصغيرة صغيرة وعلى الكفر كفر. ولا يجوز أن يكونالله تعالى ولي من عزم على الفرار عن نصرة نبيه صلى الله عليه وآله وإسلامه إلى السوء ..
ففرق كما ترى بين الهم والعزم. وظاهر التفرقة قد يقتضي اختلافالمعنى.ومن وجوه الهم أن يستعمل بمعنى المقاربة، فيقولون هم بكذا وكذاأي كاد أن يفعله.
ومن وجوه الهم الشهوة وميل الطباع، لأن الانسان قد يقول فيما يشتهيهويميل طبعه إليه: ليس هذا من همي وهذا أهم الأشياء إلي. والتجوزباستعمال الهمة مكان الشهوة ظاهر في اللغة. وقد روي هذا التأويل عنالحسن البصري قال: أما همها فكان أخبث الهم، وأما همه (ع) فما طبععليه الرجال من شهوة النساء.
فإذا كانت وجوه هذه اللفظة مختلفة متسعة على ما ذكرناه نفينا عن نبيالله ما لا يليق به وهو العزم على القبيح، وأجزنا باقي الوجوه لأن كل واحد منهايليق بحاله.
فإن قيل: فهل يسوغ حمل الهم في الآية على العزم والإرادة؟ ويكونمع ذلك لها وجه صحيح يليق بالنبي (ع)؟.
تقـــــول الشيعة : نعم، متى حملنا الهم ههنا على العزم، جاز أن نعلقه بغيرالقبيح ويجعله متناولا لضربها أو دفعها عن نفسه، كما يقول القائل: قد كنتهممت بفلان، أي بأن أوقع به ضربا أو مكروها.
تنزيه يوسف عن العزم على المعصية:
فإن قيل: فأي فائدة على هذا التأويل في قوله تعالى: (لولا أن رأىبرهان ربه) والدفع لها عن نفسه طاعة لا يصرف البرهان عنها؟.
تقـــــول الشيعة : يجوز أن يكون لما هم بدفعها وضربها، أراه الله تعالى برهاناعلى أنه إن أقدم على من هم به أهلكه أهلها وقتلوه، أو أنها تدعي عليهالمراودة على القبيح، وتقذفه بأنه دعاها إليه وضربها لامتناعها منه، فأخبر اللهتعالى أنه صرف بالبرهان عنه السوء والفحشاء اللذين هما القتل والمكروه، أوظن القبيح به أو اعتقاده فيه.
فإن قيل: هذا الجواب يقضي لفظة (لولا) يتقدمها في ترتيبالكلام، ويكون التقدير لولا أن رأى برهان ربه لهم بضربها، وتقدم جواب (لولا) قبيح، أو يقتضي أن يكون (لولا) بغير جواب.
.. (لولا) فجائز مستعمل، وسنذكر ذلك فيما نستأنفه منالكلام عند الجواب المختص بذلك، ونحن غير مفتقرين إليه في جوابناهذا، لأن العزم على الضرب والهم به قد وقع، إلا أنه انصرف عنه بالبرهانالذي رآه، ويكون تقدير الكلام وتلخيصه: " ولقد همت به وهم بدفعها لولاأن رأى برهان ربه لفعل ذلك ".
فالجواب المتعلق بلولا محذوف في الكلام، كمايحذف الجواب في قوله تعالى: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن اللهرؤوف رحيم)، معناها: ولولا فضل الله عليكم ورحمته، وأن الله رؤوفرحيم لهلكتم، ومثله (كلا لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم(..التكاثر 5 - 6.
معناهالو تعلمون علم اليقين لم تتنافسوا في الدنيا ولم تحرصوا على حطامها.
وقال امرؤ القيس:
فلو أنها نفس تموت سوية
ولكنها نفس تساقط أنفسا

أراد فلو أنها نفس تموت سوية لتقضت وفنيت، فحذف الجواب تعويلاعلى أن الكلام يقتضيه ويتعلق به.على أن من حمل هذه الآية على الوجه الذي لا يليق بنبي الله،وأضاف العزم على المعصية إليه، لا بد له من تقدير جواب محذوف. ويكون التقدير على تأويله: ولقد همت بالزنى وهم بمثله، لولا أن رأىبرهان ربه لفعله.
فإن قيل: متى علقتم العزم في الآية والهم بالضرب أو الدفع كان ذلكمخالفا للظاهر.
قلنا: ليس الأمر على ما ظنه هذا السائل، لأن الهم في هذه الآيةمتعلق بما لا يصح أن يتعلق به العزم والإرادة على الحقيقة، لأنه تعالى قال:
..": ولقد همت به وهم بها ..:" فتعلق الهم في ظاهر الكلام بذواتهما، والذاتالموجودة الباقية لا يصح أن تراد ويعزم عليها، فلا بد من تقدير أمر محذوفيتعلق العزم به مما يرجع إليهما ويختصان به ورجوع الضرب والدفع إليهماكرجوع ركوب الفاحشة فلا ظاهر للكلام يقتضي خلاف ما ذكرناه، ألا ترى أنالقائل إذا قال: قد هممت بفلان فظاهر الكلام يقتضي تعلق عزمه وهمه إلىأمر يرجع إلى فلان، وليس بعض الأفعال بذلك أولى من بعض، فقد يجوزأن يريد أنه هم بقصده أو بإكرامه أو بإهانته أو غير ذلك من ضروب الأفعال،على أنه لو كان للكلام ظاهر يقتضي خلاف ما ذكرناه، وإن كنا قد بينا أنالأمر بخلاف ذلك لجاز أن نعدل عنه ونحمله على خلاف الظاهر، للدليلالعقلي الدال على تنزيه الأنبياء عليهم السلام عن القبائح.
فإن قيل: الكلام في قوله تعالى: (ولقد همت به وهم بها) خرجمخرجا واحدا. فلم جعلتم همها به متعلقا بالقبح؟ وهمه بها متعلقا بالضربوالدفع على ما ذكرتم؟
قلنا: أما الظاهر، فلا يدل الأمر الذي تعلق به الهم والعزم منهماجميعا، وإنما أثبتنا همها به متعلقا بالقبيح لشهادة الكتاب، والآثار بذلك.
وهى ممن يجوز عليها فعل القبيح، ولم يؤمن دليل ذلك من جوازه عليها كماأمن ذلك فيه (ع)، والموضع إلى يشهد بذلك من الكتاب قوله تعالى:
وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا إنالنراها في ضلال مبين .. يوسف الآية 51.
وقوله تعالى: (وراودته التي هو في بيتها عننفسه(وقوله تعالى حاكيا عنها (الآن حصحص الحق أنا راودته عننفسه وإنه لمن الصادقين (يوسف الآية 23.
وفي موضع آخر: (قالت فذلكن الذي لمتننيفيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم.. يوسف الآية 32. (.
والآثار واردة بإطباق مفسري القرآنومتأوليه، على أنها همت بالمعصية والفاحشة، وأما هو عليه السلام فقد تقدممن الأدلة العقلية ما يدل على أنه لا يجوز أن يفعل القبيح ولا يعزم عليه. وقداستقصينا ذلك في صدر هذا الكتاب. فأما ما يدل من القرآن، على أنه عليهالسلام ما هم بالفاحشة ولا عزم عليها فمواضع كثيرة منها قوله تعالى:
كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء( يوسف 24.. وقوله تعالى (ذلك ليعلم أني لمأخنه بالغيب(يوسف 52.
)ولو كان الأمر كما قال الجهال من جلوسه منها مجلسالخائن وانتهائه إلى حل السراويل وحوشي من ذلك، لم يكن السوءوالفحشاء منصرفين عنه، ولكان خائنا بالغيب، وقوله تعالى حاكيا عنها:
ولقد راودته عن نفسه فاستعصم(يوسف 32.
)وفي موضع آخر: (أنا راودته عننفسه وإنه لمن الصادقين) وقول العزيز لما رأى القميص قد من دبر (إنه منكيدكن إن كيدكن عظيم يوسف 28..فنسب الكيد إلى المرأة دونه، وقوله تعالى حاكياعن زوجها لما وقف على أن الذنب منها وبراءة يوسف (ع) منه: (يوسفأعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين .. يوسف 29 . (
وعلى مذهبهمالفاسد أن كل واحد منهما مخطئ فيجب أن يستغفر فلم اختصت بالاستغفاردونه، وقوله تعالى حاكيا عنه: (رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليهوإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن واكن من الجاهلين فاستجاب له ربهفصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم .. يوسف 33 - 34.
فالاستجابة تؤذن ببراءته منكل سوء، وتنبئ أنه لو فعل ما ذكروه لكان قد يصرف عنه كيدهن. وقولهتعالى: (قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء(يوسف 51.
والعزم على المعصيةمن أكبر السوء، وقوله تعالى حاكيا عن الملك: (ائتوني به استخلصه لنفسيفلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمينيوسف 54(ولا يقال ذلك فيمن فعل ماأدعوه عليه...
فإن قيل: فأي معنى لقول يوسف: (وما أبرئ نفسي إنالنفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربى غفور رحيم(. يوسف 53.
قلنا: إنما أراد الدعاء والمنازعة والشهوة ولم يرد العزم على المعصية،وهو لا يبرئ نفسه مما لا تعرى منه طباع البشر. وفي ذلك جواب آخراعتمده أبو علي الجبائي واختاره، وإن كان قد سبق إليه جماعة من أهلالتأويل وذكروه، وهو أن هذا الكلام الذي هو " وما أبرئ نفسي إن النفسلأمارة بالسوء " إنما هو من كلام المرأة لا من كلام يوسف عليه السلام.
واستشهدوا على صحة هذا التأويل بأنه منسوق على الكلام المحكي عنالمرأة بلا شك. ألا ترى أنه تعالى قال: (قالت امرأة العزيز الآن حصحصالحق -- بأن بعد كتمانه.--
أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيبوأن الله لا يهدي كيد الخائنين وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء يوسف الآية 51 - 53.
فنسق الكلام على كلام المرأة وعلى هذا التأويل يكون التبرؤ من الخيانة الذيهو ذلك " ليعلم إني لم أخنه بالغيب " من كلام المرأة لا من كلاميوسف (ع) ويكون المكنى عنه في قولها (إني لم أخنه بالغيب) هويوسف (ع) دون زوجها، لأن زوجها قد خانته في الحقيقة بالغيب، وإنماأرادت أني لم أخن يوسف (ع) وهو غائب في السجن، ولم أقل فيه لماسئلت عنه وعن قصتي معه إلا الحق، ومن جعل ذلك من كلام يوسف (ع) جعله محمولا على إني لم أخن العزيز في زوجته بالغيب، وهذا الجواب كأنهأشبه بالظاهر، لأن الكلام معه لا ينقطع عن اتساقه وانتظام .... والله أعلم .
** أتركُ التصريح بالحُكم لكم .. ولكن بعد المداولة مع البصيرة وإستشارة العقل **
والحمدّ لله ربّ العالميــــــــــــن .

أبو مرتضى عليّ

حنة الزهراء
08-19-2010, 11:58 PM
احسنتم مولانا ..موفقين

أبو مرتضى علي
08-20-2010, 01:39 AM
كلّ الشكر والفضل لحنّة الزهراء على هذا التواصل الكريم
أبو مرتضى